القرطبي
163
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
رضخت ؛ عادت كما كانت ، لا يفتر عنهم شيء من ذلك . فقال : يا جبريل ! من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء الذين تتثاقل رؤوسهم عن الصلاة . قال : ثم أتى على قوم على إقبالهم رقاع ، وعلى أدبارهم رقاع . قال : يسرحون كما تسرح الأنعام الضريع والزقوم ، ورضف جهنم وحجارتها . قال : ما هؤلاء يا جبريل ؟ قال : هؤلاء الذين لا يؤدون صدقات أموالهم ، وما ظلمهم اللّه ، وما اللّه بظلام للعبيد ، ثم أتى على قوم بين أياديهم لحم في قدر نضيج ، ولحم آخر خبيث ، فجعلوا يأكلون من الخبيث ويدعون النضيج الطيب ، فقال : يا جبريل ! من هؤلاء ؟ قال : هذا الرجل يقوم وعنده امرأة حلالا طيبا ، فيأتي المرأة الخبيثة فيبيت معها حتى يصبح . ثم أتى على خشبة على الطريق لا يمر بها شيء إلّا قصفته ، قلت : ما هذا يا جبريل ؟ قال يقول اللّه عزّ وجلّ : وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ [ الأعراف : 86 ] ثم مرّ على رجل قد جمع حزمة عظيمة لا يستطيع حملها وهو يريد أن يزيد عليها ، قال : يا جبريل ! ما هذا ؟ قال : هذا رجل من أمتك عليه أمانة لا يستطيع أداءها ، وهو يزيد عليها . ثم أتى على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من حديد كلما قرضت عادت كما كانت ، ولا يفتر عنهم شيء من ذلك ، قال : يا جبريل ! من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء خطباء الفتنة ، ثم أتى على حجر صغير يخرج منه ثور عظيم ، فجعل الثور يريد أن يدخل من حيث خرج ولا يستطيع ، قال : ما هذا يا جبريل ؟ قال : « هذا الرجل يتكلم الكلمة فيندم عليها ، فيريد أن يردّها فلا يستطيع » « 1 » . وذكر الحديث . وخرّج من حديث أبي هارون العبدي ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال له أصحابه : يا رسول اللّه ! أخبرنا عن ليلة أسري بك ( الحديث ) وفيه قال : « فصعدت أنا وجبريل فإذا بملك يقال له إسماعيل وهو صاحب سماء الدنيا ، وبين يديه سبعون ألف ملك ، مع كل ملك جنده مائة ألف ملك » ، قال : وقال اللّه تعالى : وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [ المدثر : 31 ] فاستفتح جبريل . ثم قال : فإذا أنا بآدم كهيئته يوم خلقه اللّه على صورته تعرض عليه أرواح ذريته المؤمنين فيقول روح طيبة ، ونفس طيبة ، اجعلوها في عليين ، ثم تعرض عليه أرواح ذريته الكافرين ، فيقول : روح خبيثة ، ونفس خبيثة ، اجعلوها في سجّين ، ثم مضيت هنيهة فإذا أنا بأخونة - يعني بالخوان المائدة التي يؤكل عليها - وعليها لحم مشرح ليس يقربها أحد ، وإذا أنا بأخونة أخرى عليها لحم قد أروح وأنتن ، عندها ناس يأكلون منها . قلت : يا جبريل من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء من أمتك يتركون الحلال ويأتون الحرام ، قال : ثم
--> ( 1 ) أخرجه البيهقي في « دلائل النبوة » ( 2 / 397 - 403 ) بسند ضعيف .